اسماعيل بن محمد القونوي

215

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل ) عدولا إلى ما لا يمكن الخ يعني أنه عليه السّلام كان قادرا على إثبات كون السماوات والأرض ممكنة مفتقرة إلى مؤثر واجب لذاته مستغن عن جميع ما عداه كما مر تقريره بقوله لتركبها وتعددها وتغير أحوالها لكن أعرض عن معارضته الفاسدة واعتراضه عليها إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره دفعا للمشاغبة وقصرا للمسافة وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي « 1 » أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل وهذا مثل محاجة رئيس الموحدين خليل اللّه مع نمرود عدو اللّه ومثل هذا لا يسمى إلزاما بل عدول عن إتمام الأول إلى ما هو أوضح منه وإلى هذا التفصيل أشار طاب اللّه ثراه بقوله عدولا إلى قوله وأوضح عند التأمل وجه الأوضحية أنه لا يشك في حدوثه وافتقاره إلى مؤثر واجب الوجود متعاليا عن معارضة غيره ومن شك في حدوث ما ذكر إما مغالط أو مجنون قوله مثله الضمير لما مر من الوجوب لذاته أو عدم الافتقار على تقديرا إمكانه ومثل كناية كقوله : ومثلك لا يبخل وليست بمقحمة وبهذا البيان ظهر فساد الوجه الأول من الوجهين الأخيرين في تفسير قال : لِمَنْ حَوْلَهُ [ الشعراء : 34 ] الآية وأما الوجه الأول فيجوز عليه أن يقال إنه عليه السّلام عدل إلى ذكر لازم أجلى وأظهر من الأول تنبيها على عدم إمكان تعريفه بدون خواصه وإنما لم يتعرض له صراحة لانفهامه من التقرير المذكور بأدنى عناية والمص لم يبن كلامه إلى دليل آخر اظهر من الدليل الأول وهو عالم الأنفس كما أن ذلك عالم الآفاق فإنه مما لا يمكن أن يتوهم فيه رب آخر مثله أي مثل ربهم الحقيقي قوله ويشك عطف على يمكن وقوله ويكون عطف على لا يمكن أي عدولا إلى ما لا يمكن أن يشك في افتقاره إلى مصور حكيم وإلى ما يكون أقرب إلى الناظر وجه كونه أقرب أن أقرب المنظور فيه للناظر نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع الناقل له من حال إلى حال ومن هيئة إلى هيئة من وقت ولادته إلى وقت وفاته ثم خصص المشرق والمغرب بالذكر من بين سائر المشاهدات لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من اظهر ما استدل به على الصانع الحكيم ولظهور ذلك انتقل إلى الاحتجاج به إبراهيم عليه السّلام حيث قال إن اللّه يأتي بالشمس من الشرق فإن بها من المغرب عن الاحتجاج بالاحياء بقوله وهو يحيي ويميت ولما قال نمرود وأنا أحيي وأميت انتقل إبراهيم منه إلى دليل اظهر منه فقال فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [ البقرة : 258 ] فقوله رحمه اللّه ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل إشارة إلى أن الدلائل المنبثة في السماوات والأرض أبعد متناولا من النظر في أنفسهم وآبائهم لأن الأول مشتمل عليه وعلى الدلائل الآفاقية أيضا والثاني أبعد منظورا من الثالث لأن المنظور في الثاني الانتقال من هيئة إلى هيئة ومن حال إلى حال من وقت الولادة إلى وقت الوفاة ولا كذلك النظر في طلوع الشمس وغروبها في فصول السنة فالمراد بقوله أقرب إلى الناظر الدليل الثاني وبقوله وأوضح عند التأمل الدليل الثالث .

--> ( 1 ) وفيه إشارة إلى أن هذا العدول ليس من برهان إلى برهان آخر حتى يظن الافحام في الجملة وقد أوضحنا ذلك في قصة إبراهيم عليه السّلام .